وداعاً يا زهرتي – رسالة كُتبت على لسان
الشهيد محمد الدرة
بقلم الطالبة التركية:
ألف كزر أوغلو*
إني ذاهب، ذاهب
لأنني مجبر على فراقك، ذاهب وتارك
لك العشرات من الذكريات التي
عشناها، وأرجوك أن تحافظي عليها.
نحن البشر نتعلم أشياء
كثيرة، ونحن ننتظر في صالات الانتظار،
بالرغم من اختلاف تطلعاتنا نتعلم الغنى
والفقر، الضحك والبكاء، المحبة
والاحترام، المسامحة والصبر، الإهانة
والوحشية.
أود أن أبوح لك بسر
يا زهرتي .. أنا لم استطع أن أتكيف مع
نبضات الحياة ولا بأي شكل من الأشكال، لم
أستطع أن أفهم ماذا يجري.
وخاصة الحجارة،
النقافة، كيف أصبحت
جزءاً من حياتنا؟
أثناء الذهاب إلى
المدرسة، نملأ إحدى جيوب حقائبنا
المدرسية بالحجارة الصغيرة،
وتسألنا والدتنا هل قمنا بذلك الواجب على
سبيل الاحتياط، وكأنها تؤكد
علينا بأن لا ننسى ساندويشاتنا. بينما
نكون غارقين في عيش طفولتنا
وبدأنا في التمتع بها وفي بداية فهمنا
لها لا ندري كيف تنهال الهراوات على أيدينا
بقوة، كفى . كفى .. لقد كبرتم.
كل شيء عندنا على
عجلة (على الواقف)، وحسب
الفرص، وحتى التعليم عندنا يتم تحت الخوف
والرعب وحسب الفرص.
حتى لو قلت لكم إن
الخيال أصبح محظوراً علينا.. أتصدقونني
نعم يا زهرتي إنه
كذلك لقد حُرمنا من
تخيّلنا، وأصبحت حياتنا اليومية تقتصر
على اللجوء إلى ميناء الأمان لإنقاذ
يومنا الذي نعيشه.
وأحياناً أستغل
الفرصة، وأهرب من هذا الواقع وأطيّر
طائرة الورق، على أمل أن تجول
بحريّةٍ بين الغيوم، هي على الأقل، ولكن
فجأة ما، أجد نفسي أمام شاشة
التلفزيون متابعاً لنشرة الأخبار،
وسرعان ما نسمع الضجيج وأصوات السلاح
والطائرات المروحية. وما تدري شيئاً عما
حدث.
وفي هذه الأثناء
نقوم نحن الأطفال
باحتضان نقافاتنا وكأننا نحتضن أسلحة
أوتوماتيكية.
وطائرة الورق تهبط رويداً
رويداً منثنية وكأنها تبكي، وأحياناً
تعلق على أسلاك الهاتف.
وأما أنا فإنني أجد
صعوبة كبيرة في تخيّل ما أعيشه من حقائق
على صعيد سلسلة من الأحداث التي لا
يتصوّرها العقل.
وأما نحن الأطفال
فتثيرنا الدهشة والحيرة في مجتمع
المعرفة
أثناء انهمار زخات الرصاص، يعني
أن حياتنا أصبحت تتدحرج في الظلام.
أقصد، إنهم يسرقون كل
شيء يا زهرتي .. انهم يسرقون الزهور التي
لم تتفتح بعد، يسرقون الأغاني التي
لم تغنَّ بعد، إنهم يسرقون السنابل
الصفراء للربيع القادم، يسرقون آمالنا..
يسرقون مستقبلنا…
يسرقون طفولتنا يا
زهرتي …
وفي كل يوم عندنا
هنا يقع شهداء جدد.
تلف بالأعلام وتحمل على الأكتاف، اعتدنا
على هذه المشاهد. ويبدأ يومنا برصاصة
من فوهة بندقية.
نعم هنا مفرق تقاطع
الديانات الثلاث، وقد تعانقت فيه
أجراس الكنائس وأصوات الأذان
عبر العصور، ولكن الآن تسيطر على أجوائنا
أصوات وضجيج الطائرات
المروحية.
واختلطت .. الجريمة
بالعبادة في عاصمة الثقافة وعاصمة العيش معاً .. نعم يا زهرتي،
الجريحة.
نعم القدس هي أرض
مقدسة، ولكن إذا الإنسان فارقته
القدسية، وابتلعتها منافعه وملذاته، ألا
تدفن صفة القدسية في الظلام يا زهرتي؟
قولي لي يا زهرتي؟
أنا أقول إن
القدسية يجب البحث عنها في العلم
والفن والأخلاق. أليس كذلك؟
فإن كنت على غير حق
أو كنت مخذولاً، فأيديني.
الأطفال ……
في الوقت الذي أكثر
ما يبدو في خدودهم زهور لون الأقحوان.
وفي الوقت الذي
أكثر ما يلائمهم البسمة الدائمة على
شفاههم.
تجد شفاههم تنزف دماً
من جوانبها. ويدفعون بأجسادهم الصغيرة في
النضال من أجل الحرية.
أطفال شجعان ..
نعم ليكن طفلاً
شجاعاً، ليكن طفلاً بطلاً، ولكن يجب ألاّ
نخلق منهم أسطورة أبطال ويجب
ألاّ نرفع أجسادهم إلى السماء، ويجب ألاّ
تُؤلف الأغاني الحماسية
باسم الأطفال الشجعان.
لا .. لا .. لا أصدق
ذلك ولا يمكن أن يُصدَّق
ما يجري ..
أنتم أيها الكبار،
اتركوا البسمة تكتمل على شفاه الأطفال.
أنا أعرف جيداً أن مشاكلكم لا
تنتهي.
ولكن أرجو منكم
الآن أن تصغوا إلى قلبي الكبير،
ما أقوله أيضا سمعته منكم.
تقولون أن الخلية
السرطانية تؤثر على الخلايا
الأخرى وتحوّلُ خواصها وتجلعها مثلها
وبعدها تستفحل وتنتشر في هذه الخلايا.
فهذا كالإنسان الذي يطلب من
الجميع أن يفكر مثله، ليحمل نفس الخواص
ومن ثم يقوم بالعمل بنفس
الأسلوب.
أليس هذا هو سرطان
المجتمع بأم عينه؟ فإن كان الجواب لا.
فماذا إذن؟
أين بقيت العبارة
الرنانة، وأين العبارات القائلة: علينا
أن نحب ونحتضن بعضنا بعضاً
بالرغم من كل الفوارق والاختلافات؟
أرجوك. قولي لي يا
زهرتي
متى ستتخلص
الإنسانية من النظر إلى البريء بأنه مجرم.
وان العنف والموت ليس هو الحل؟
متى سنتعلم العيش
بلا إزهاق أرواح، متى سنتعلم العيش
بإنسانية.
يا أسفاً حتى المحبة أصبحت
مشروطةً في يومنا هذا - يا زهرتي - فأصبحنا
لا نحب إلا من أجل شيء. من
أجل أنك جميلة، أو من أجل أنك ثري، وعندما
ينتهي الجمال أو الثراء تنتهي
المحبة.
وبعضنا يحب
مشروطاً، إذا اشتريت لي سيارة، فإذا تحقق
الشرط تتحقق المحبة.
ولكن المحبة عندي -
يا زهرتي - مقترنة بعبارة: بالرغم من،
بالرغم من كل شيء، أحبك، بالرغم من
كذا وكذا أحبك.
وخير معنى ما قاله
الشاعر:
الحب، هو القبض على
الوردة بشوكها، حتى لو أدمت يديك وأما
الشاعر الذي قال:
سقيت ألف شوكةٍ من
أجل وردةٍ. كأنه عاش فترة مملوءة
بالعواصف ولا أعرف الظرف الذي يعيشه الآن.
عندما يحل الظلام
ونرى السيارات وهي تحترق، والبراميل
المثقوبة من الرصاص، والحجارة التي
حازت على رمز التمرد تأخذ مكانها على
جوانب الطرقات.
ونحن الأطفال نأخذ
مكاناً نبدأ بتعمير نقافاتنا وإطارات
السيارات استعداداً لمجابهة يوم غد، اليوم
نجحنا في البقاء على قيد الحياة، ولكن من
يدري غداً على من سيكون
الدور بالاستشهاد.
كثير من الصرخات
صرخنا ولكن لم تأخذ صدى لغاية الآن.
وجميع صراخنا ذهب سدى وكأنه في
بئرٍ ليس لها قاعٌ.
إنني أعرف بأن
المقهور لا أحد يسمع
صوته.
ولكن، نحن أشعلنا
شموعنا أثناء محاولتنا عبور البحر
بسفننا، ودموعنا مخنوقة. ولكن،
لا يمكن أن نبقى مكتوفي الأيدي يا زهرتي ..
فعليه ألاّ يسرق،
الورود التي لم تتفتح بعد، والشموس التي
لم تشرق بعد، وعليه ألاّ يسرق بسمات الأطفال،
يا زهرتي.
إن من الصعب عليَّ
أن أقول لك وداعاً.
أفارقك لأنني تخليت
عنك، وأترك لك العشرات من الذكريات،
فأرجو منك أن تحافظي عليها. هل ستفعلين
ذلك؟
فإنني أحببتك
بالرغم من كل شيء، ولكني أريد أن أترك لك
ذكرى قبل الفراق، أنت تعرفين أن النسيان
يؤثر على كل إنسان.
فاخترت لك أغنية هي
من نصيبك. الأغنية
التي ألّفها أستاذي وغنّاها صديقي.
فأرجو ألاّ تفهميني
خطأ .. وهي أغنية
ليست حول بطولات الأطفال .. هي أغنية حول
الغد المشرق، والمسامحة والتفاهم وتحمل
في عباراتها النقاوة، والكرم، والجود
والصداقة، وتعبر عن مدى الحرمان من الحنان.
وبالرغم من كل شيء،
أقول لك حياك، وأهلاً وسهلاً بك يا
زهرتي، ولا تقطعي أملك من المحبة،
لأن عدم المحبة يعني الموت، وتمسكي
بالحياة بشدة ولكن أرجوك ألاّ
تدوسي على زهرات البرية.
ولا تنسي انه شيء
يليق بقلبي بقدر اشتياقي لك
وداعاً يا زهرتي.
محمد الدرة
فلسطينياً كان أم
إسرائيليا، أبيض كان أم أسود
فلا يهم انه كان
زهرة أقحوان
==
· طالبة تركية
تبلغ من العمر 14 عاماً، تدرس
في الصف الثامن الأساسي بمدرسة السيدة
زبيدة الابتدائية الخاصة في قضاء منمن
بمحافظة إزمير. · فازت هذه
الرسالة بجائزة أفضل رسالة في تركيا
"وداعاً يا
زهرتي – رسالة كُتبت على لسان الشهيد
محمد الدرة